نسخ مذكرات نازفة - 1
الساعة ٤:٠١ قبيل الفجر
اليوم الاول
احاول الكتابة لا لسببٍ معيّن سوى لوصفِ تجاويف روحي العميقة التي هوَت بي وأسقطتني حتى أرتطم ذهني وفقدتُ معالم ذاتي، فمهما تأملتُ يداي، وعيناي، وزوايا شفتيّ، وطريقة كتابتي، اجد ان كل ما اعرفه عني يتهاوى حتى اجهلني، بعقلٍ مضطرب، بحياة معقدة، بنظرة متشابكة المعاني اتجاه الحياة، بجسدٍ مريض، بنفسٍ هلعة، بخوفٍ أسير، برغبة باهتة، أبدأ بتفقدّ الاستفهامات حول العديد من التساؤلات لأخرج وبحوزتي أسئلة أكثر من الاجابات، انبشّ مجدداً عن اي حيلة، اي مكيدة، اي فخّ، اي لعبة، اي خطة استطيع بها توريط نفسي لإعادة اكتشاف الحقيقة، لكن كل شيء يأبى في النهاية الانصياع وكأن مصير الامور ان تبقى معتمة بلا لون واضح، بلا مسمّى فاضح، بلا نغمة مُسكِرة لوجعٍ يئن لألمٍ بالغ، وكأني نزيفٌ لم يبرأ، جرحٌ تم نكئه، زعقة لم تُسمع، حرفٌ تم محوه.
بؤبؤتان
محدقتان
في ظلمة،
تبحثان عن نجدة.
الساعة ٥:٣٢ بعد الفجر
اليوم الثاني
تتوه مقلتيّ في الظلام بحثاً عن خللٍ ما، اين الخطأ؟ اسأل نفسي و احثّها مجدداً للبحث في ثنايا عقلي. لكن الخطأ لا يظهر، و الخلل يستمر بالاختباء عني، اتوه مرة اخرى بحثاً عن وهمٍ يُثبت لي حقيقة ما اعاني، حقيقة ذلك الخراب القابع بداخل روحي، إلا ان محاولاتي تأبى فأركد الى نفسي وانطوي عليها لئلا تهجم بشراسة عليّ في غفلة مني، انبّش عن فكرة دافئة لأحتمي بها من شظايا احتمالاتي، احاول التشبثّ بفكرة اهترأت لشدّة ما فكرت بها مراراً وتكراراً لأتدرع بها ضدّي، ضدّ سهامي الحادة ورماح افتراضاتي الشديدة.. و ها انا مجدداً، لا اقوى على احتمال الحياة ولا ذاتي.
صفيرٌ يعلو، صفيرٌ يهبط
تلك شفرة، لا تنخدع بسحرها
هي مجرد نداء، استغاثة صارخة
دموع جارية، كلمات صامتة.
الساعة ٥:٢٦ أثناء الفجر
اليوم الخامس
اتحسسّ صدري بأناملي فلا اشعر بشيء، اتلمّس وجنتيّ المبللتين فلا اشعر بهما، احدق بالفراغ ببصرٍ باحثٍ عن خيط لينجو، اطأطئ رأسي لأتفقد راحتي يدي و اتمتم لا شيء، اغطي وجهي بكفّي يدي واغمض عينيّ بقوة واصرخ بداخل رأسي مكرراً لا شيء لا شيء لا شيء! تباً تباً، لا اشعر بشيء مهما فعلت! مهما اغرقت نفسي في وحلٍ من الادمان، مهما اعتنيت بنفسي وتناولت طعامي و فيتاميناتي جيّداً، مهما غفوت طوال اليوم ولم افكر بشيء فلا شيء يتغيّر!
لا شيء، لا شيء.. اشعر اني فقدتُ نفسي منذ وقتٍ طويل جداً، اشعر اني اغيب في عالم حالك السواد، اشعر اني اغرق في صفيحة من الصمت القاتم، اشعر اني مكمم الفاه.. اشعر اني مهما كتبت وفعلت فلن يغيّر هذا من حقيقة اني لا اشعر بشيء، ما الفائدة من فعل كل هذا ما دمت لا اشعر؟
ربما يجدر بي التوقف و التخلي عن كل شيء.. بعد كل شيء.
في صباح
متصدّع
بنغمات عقله
المتوترة.
الساعة ٦:٠٩ صباحاً
اليوم السادس
لم تتوانَ الأحلام عن سلب راحتي في منامي، ها هي تسرق روحي، ثم تمتدّ لتلتهم طمأنينتي، بعد ذلك تشرع في الخوض مليّاً بنفسي حتى تُحيلها إلى أرضٍ جدباء. بعد ذلك اتساءل اين اجد نفسي؟ في الكتب؟ في الكتابة؟ فيما احب؟ فيما اكره؟ اتخبّط هنا، اتصادم هناك، افكر باحتمالٍ ثم اتبعها بافتراضاتٍ شتّى، لكن لا شيء منها يجدي، لا شيء منها يخبرني اين اجد نفسي.. و ها انا، طوال اليوم.. بل طوال الاسبوع، كلا.. بل طوال الاشهر الماضية والسنين الفائتة، ابحث بشكلٍ محموم عن اي لافتة تخبرني عن مكاني.
لم يلبث
إلا
ويزعق
بخوفٍ يشظِ
روحه.
الساعة ٥:٢٧ مساءً
اليوم الثامن
قد يبدو مبتذلاً ان اكتب في هذا الوقت الحساسّ من اليوم، لكن عندما تصبح الأمور مجرد كومة خراب هائلة تتضخم أمامك تفقد جلّ طاقتك للتعامل معها، قد يبدو الامس سهلاً بضبط أعصابك ثم ما قبله ليّناً في التحكم بكلماتك بعد ذلك يتساقط كل ما حاولت بناءه، بنظرة حادّة وكلماتٍ مليئة بسخرية لاذعة ولغة جسد تصدّ كل من يمسّ بها بسوءٍ مفتعل. حينها تركن إليك، إلى نفسك الهادئة وعزلتك الضيّقة وعقلك المضطرب وحياتك الرتيبة، تتنفس ملء نفسك وتردد:"ربما، ربما هذا كل ما يمكنني فعله إزاء الأمر، لكن هناك من هو قادر على أن يفعل أضعافاً مضاعفة بقوته، بحكمته، بقدرته، بتدبيره، بعجائبه، برحمته، بفضله.. سبحانه".
كان يعتقد
اعتقاداتٍ
فتلاشت
ولم يبقَ
سوى الثرى.
تعليقات
إرسال تعليق