ليس لأجلك.

ذات مساء حدقتُ جيداً بساعة الحائط مراقباً تحرك عقاربها و ما تصدره من صوت ثابت، كان كل شيء ساكناً بلا حركة و كأنما الوقت توقف لوهلة، بلون رمادي شاحب أرى ما حولي بابتسامةٍ باهتة، عقلي يفكر : ماذا حدث ؟ لماذا حدث ؟ من دون توقف. 

في إحدى أيام الصيف الحارة، و مع صفو السماء الشاسعة، كنت أرى طيور النورس من شرفة منزلي بلا هدف ممسكاً بكتاب ذو قطع متوسط اقرأه بين فينة و أخرى و كنت أفكر بحديثي بالأمس مع والدي حيال انتقالنا الى العاصمة من أجل ترقيته، كنت بائساً، لم اعلم لمَ كنت اشعر بهذا، والدتي هنا فلماذا نرحل و نتركها؟ ظللت اتساءل حول هذا طوال الليل و لم اغفو ولو لدقيقة واحدة بسبب هذا الأمر. 

هل يمكنني ان اصبح نسمة هواء عابرة؟ او مجرد موجة بحرٍ هائجة؟ هل يمكنني ان اكون كشمس الصباح المنعشة التي ترحل وقت الغروب؟  او ربما كـ الهلال آخر الشهر يودعنا بإنطفاءه الخلاب؟

هل يمكنني ان اصبح كل شيء؟ او ربما مجرد لا شيء فقط؟ 

تذكرت ما حدث قبل بضعة سنوات، في السادس عشر من سبتمبر الموافق الثاني من ربيع الثاني، في وقت الظهيرة كنت اتناول بعض الفاكهة مع والديّ، حينها وجهت لي والدتي سؤالاً مباشراً غير أنها لم تأبه بما سأجيبه: 

-بنيّ ، ماذا ستصبح في المستقبل ؟ 

-لا اعلم ربما كاتباً او قارئاً الى الأبد ، او ربما ازاول مهنة والدي او كما يفعل خالي 

ابتسمت، ابتسامة دافئة، مليئة بالحب، مشعة كما عهدتها دائماً.

مساء اليوم التالي قررت إخبار والدي ببقائنا هنا، لم تعجبني فكرة رحيلنا فـ والدتي ستبقى هنا لوحدها ولن يكون خالي بجانبها دائماً، لذا لن نرحل و هذا ما سأفعله، نزلت الى الأسفل بخفة من دون صوت يذكر، رأيت والدتي تعد شيئاً في المطبخ و والدي يقرأ الجريدة، خطوت خطواتي بهدوء، لاحظ وجودي والدي، علم ان هناك أمراً كنت سأحدثه به وهو عن انتقالنا، تحدثت بصوت شبه مسموع:

-تخلى عن فكرة الترقية، ما زلت لم اتقبل فكرة تركنا لوالدتي هنا 

-هل انت متأكد؟ و ماذا عن الدراسة؟ 

-لا بأس بهذا 

-ستندم

-لن افعل 

-ليس لأجلك، بل للجميع.

انتهى حديثنا بمجيء والدتي، شعرت بإرتياح بالغ لبقائنا هنا، القرية هادئة عكس صخب المدينة، و هنا جميع عائلتي عكس نقصاننا هناك، لكن جملة والدي الأخيرة كانت تدور بذهني منذ ذلك الوقت.

الساعة الثانية ليلاً في منتصف الليل، كنت اقرأ كتاباً و سمعت حينها صوت سعال حاد فـ علمت انها والدتي على الفور لسوء صحتها، ايقظت والدي و ذهب بها الى المشفى، لم اذهب فلقد طلب مني الاعتناء بالمنزل لكن قلقي بات واضحاً كلما مر الوقت. 

في الساعة الثالثة فجراً حينما استيقظت من غفوة كانت لمدة عشر دقائق كانت هناك رسالة صوتية في الهاتف من خالي، لم اهتم بها لكونه دائماً كل صباح يغريني بالصيد لأذهب معه، لكن لا جدوى..

بعد ساعة قررت الذهاب لأتفقد والدي بالمشفى و عندما استعددت و هممت بالخروج تذكرت مفاتيح المنزل التي كانت بجانب الهاتف فذهبت فوراً لأخذها، في تلك اللحظة التي مددت يدي لأمسك المفاتيح لمست بأطراف أصابعي على أحدى ارقام الهاتف الذي كان يشغل الرسائل الصوتية التي تصلنا و صادف تشغيله لرسالة خالي التي وصلت صباحاً هذا اليوم، كانت صامتة لم يوجد بها صوت خالي المرح المفعم بالحيوية كما اعتدت منه سابقاً، سمعت أنيناً خافتاً حزيناً خالياً من الفرحة التي تأتيه حينما يذهب الى الصيد، تحدث: 

-لا اعلم كيف اخبرك، لا اعلم كيف احاول اخبارك، اسأل نفسي هل يتوجب عليّ اخبارك؟ هل يمكن ان يصبح هذا لا شيء كما لو انه لم يحدث؟  لكن لا .. لا يمكن حدوث هذا، هذا مستحيل فقط.

بكى، انتحب، اصدر انيناً عالياً، كان حديثه غير واضحاً  ثم صمت، اصبح هادئاً جداً ثم عاود الحديث:

-انت ابني، انت ابني الذي عهدته منذ نعومة أصابعه، كنت اعرف ان هذا سيحدث يوماً ما، لكن صُدمت عندما حدث الذي لم اتوقعه! 

اخذ نفساً عميقاً ثم تحدث: 

-انت تعلم ان والدتك مريضة و انت تعلم ان نهايتها آتيه لا محالة  و اعتقد انها اتت بالفعل..

عندما سمعت هذا شعرت بحزن شديدٍ جداً، حزن لم استطع اخراجه بالبكاء  لكن حديث خالي كان متواصلاً: 

-والدك اخبرني بذلك في منتصف الليل و انه سيتكفل بإخبارك لكي يخفف من وقع ما سيقع، لكن بعد بضع دقائق اتاني خبر موته بـ سكتة قلبية ..... ثم .. لم .... .

تشوش عقلي، لم اعد استطع سماع ما يتحدث به خالي، سقطت و لم استطع الوقوف، تذكرت ما تحدث به والدي ( ستندم ) كنت افكر حينها لماذا؟ ما الذي سيحدث؟

و اعتقد ان هذا هو بالفعل ( ليس لأجلك ، بل للجميع ) . 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة