جاري.

حينما تتسابق خطوات المصلين لمنازلهم و الصبية لأسرتهم أبقى جالساً على عتبة المسجد انتظره، برفقة شروق الشمس يظهر بعصاه التي يتكئ عليها، يمسك بعضدي و نمشي عائدين من حيث اتينا، يتمتم بعدة اذكار و ينهيها قائلاً : يا فتى، اقرأت اذكار الصباح؟ اومئ إليه مجاوباً فيبتسم إليّ بابتسامته الغير معهودة، فقد كان وسيماً فيما مضى.

كان جاري حاد الطباع، ينهر الفتية في المسجد و يبقى عابساً طوال اليوم، كنت اتعجب انه يلقي السلام على من عرف و من لم يعرف بنبرة ودّية باستغراب قد اصاب كل من عرفوه، رغم ذلك فقد عرفت انه طيب القلب بعد حادثة حدثت لي قلبت حياتي رأساً على عقب.

قبل سبع سنوات مضت في عصرية مغرية للعب الدراجة في شارع الحيّ، اخرجت دراجتي بعد ان شربت علبة كاملة من مشروب الطاقة الحيويّ، استعد للإنطلاق من دون تفقد الشارع، بلحظة كانت أسرع من الضوء وجدت نفسي بجانب عتبة المسجد و رأسي ينزف و بجانبي جاري الراشد ذو البنية القوية ممسكاً بي و قدمه اليمنى قد جرحت بجرح بالغ، بينما دراجتي قد محيت عن بكرة ابيها و سيارة في منتصف الطريق قد توقفت.

بعد تلك الحادثة بدأ جاري بالإتكاء على عصاه التي أصبحت رفيقة دربه، منذ مساعدته لي بدأت بملاحظته يوماً بعد يوم، لاحظت انه قد أخذ من الحُسن الكثير لكنه لم يتزوج بعد وفاة زوجته، يملك العديد من المشاكل مع ابناءه رغم مسحة الحزن الذي يظهرها بعد رحيل كل واحد منهم.

منذ ذلك اليوم اصبحت ألقي عليه السلام و آخذ منه بعض الكلام، احببت الوجود حوله و لم يكره كثرة حديثي في هذا و ذاك، ذات مرة ضحك و ظهرت نواجذه فبكيت، تساءل فأخبرته اني لم اره يوماً سعيد، و ان الحزن قد اخذ من محياه الكثير، و ان مظهره قد ظلم مكنونه الرحيم، و اني ذلك الفتى الذي ساعدته من سنين فبكى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة