نسخ مذكرات نازفة - 2
الساعة ٦:٤١ صباحاً
اليوم العاشر
كأن بك عطب، هكذا تشعر ثم لا تلبث إلا وتتحسسّ مدى توسّعه في نفسك.. كيف لذلك العطب أن يفسدك؟ أن يغيّرك؟ أن يجعلك ترى بتدرجاتٍ مختلفة عمّا اعتدت؟ كيف له أن يمتدّ حتى يصل إلى أعمق جزء منك ويمسّ روحك؟ أنّى له التلاعب بكلماتك؟ كيف له أن يبدّل مبادئك وقناعاتك الراسخة؟ لماذا باستطاعته هدّ كل ما سهرت على بناءه؟ من هو ليفعل كل هذا؟ من ذلك الذي وصل لعقلك وأمسكه بكفّيه ورجّه حتى تغيّرت معالمه؟ لماذا يحدث كل ذلك؟ هل تشعر بوعيك؟ ام ان الامور باتت تتخطف من بين أصابعك و أصبح من السلس أن لا تجد شيئاً باستطاعتك مسك زمامه، كما لو أن حياتك لم تعُد تخصّك.. انت وحدك.
عندما ادرك
اختفاء ملامح
بل خرائط
ذاته، حياته.
الساعة ٧:٥٩ صباحاً
اليوم السادس عشر
تتغيّر معالم الحياة بنظرتك، تتساقط الأعمدة من أشرعتك، تتلوّن السماء بجميع الألوان إلا لونك، تتبدّل أصوات الاشياء إلا صوتك، تتنفس المخلوقات بكافة أشكالها إلا صدرك، تتساءل: ما الخطأ؟ لكن لا يوجد هنا خطأ، كل شيء محسوب بدقة، كل الزوايا تتناسب مع محيطها، إذن لا خطأ.. لا شيء من الخطأ قد ترك أثره هنا.
تخبو، تتشوّش، هناك ضبابية تستمر بالتجمّع حولك، تسقط، تحاول جمع رداءك، تلفّ نفسك حولك، تتمتم، تهلوس، تتمزق، تتوجّع، تخفت، تتلاشى، لا يبقى منك شيء.. ها انت تلاحمت بنجاح مع الاكسجين من حولك.
هناك خطب
جعل حياته
بإطارٍ مكسورٍ
دامٍ.
الساعة ٦:٤٥ صباحاً
اليوم الثامن عشر
عندما أحدق بالنافذة وأرى شعاع الصباح يتسلل ببطء بين قماش ستارتي وزجاج نافذتي اتفقّد عقلي، هذا العقل الذي لا يهدأ، اقلّب ما يجول به علّه يكفّ عن وضع بصماته في ذاتي التي أصبحت بلا روح، وعن مقلتي التي صارت بلا بريق، وعن لساني الذي ثقل عن أصغر الحروف وأبسطها نطقاً، وعن رقبتي التي لم تعُد تلتفت لما يشّد فضولها.
اشيح عيني عن نافذتي وامررّ بصري لخواء حجرتي، لا شيء يملأ عقلي هذه المرة.. إذاً لماذا أشعر أن صدري مجوف من الداخل كصدفة رقيقة لامعة لا تملك بداخلها لؤلؤاً مرمريّاً جميلاً؟ ما فائدة هذا العمق من دون جوهر يُذكر؟ لماذا هذا الضياع يُحيط بي؟ لماذا رأسي جيّد بصنع الأسئلة أكثر من حياكة الأجوبة؟ لماذا الحياة تبدو متمزقة من جميع أطرافها؟ لماذا متى سأتوقف عن قولها؟
يضيع
ضياعاً
مروّعاً.
الساعة ٦:٤٣ صباحاً
اليوم الرابع والعشرون
لقد فقدتُ كل شيء دفعة واحدة، اتفقد راحتيَ يدي. إنهما فارغتان، ترتجفان، إنهما تتوجعان بكل تلك البثور الحمراء التي مسّتها، اغطّي وجهي بيدي، ما الذي بقى؟ لم يعُد صدري متاحاً للإحساس، ولم تعُد مقلتي تذرفان الدمع بعد الآن، ما الذي بقي لي؟ أصبحت اتخبّط في عمق الظلام، في تلك الأبواب المغلقة، لم أعُد أصرخ.. لقد اختفى صوتي، ما الذي بقى؟ لقد فقدت نفسي، لقد تلاشت روحي، ما الذي بقى حقاً؟ لا توجد حبال نجاة ولا حتى كلمات إنقاذ، ما الذي بقى؟ حتى تلمّس المصدر الذي ألمّ بي لم يعُد سبباً منيعاً، ما الذي بقى؟ لم يبقى شيء، لم أبقى سواي اتوجع في أرضٍ غير أرضي، وبصوتٍ غير صوتي، وبحالٍ غير حالي، انني متعب من طول ذلك الوجع، من عمقه، من كثرته، منه هو بذاته، انني اتألم طويلاً.. ولا أحد يعلم ما ألمّ بي.. حتى أنا اجهل ما خطبي.
عندما
سُدلت ستارات
حياته، عن وجعه.
الساعة ٧:٥١ صباحاً
اليوم السادس والعشرون
تخيّل معي أن شخصاً ما يحاول خنقك باستمرار، و أنت لا تلبث إلا وتحاول زعزعة قبضته من عنقك مرةً بعد أخرى، لكنه يلحّ مجدداً لتصل يداه لنحرك ويشدّ عليه بكل قوته، في كل مرة تكون أصعب وأعنف، أسرع وأكثر ألماً، و ها أنت متشبثّ بشدة للحظة صغيرة تستطيع بها إلتقاط أنفاسك ليتكرر الأمر من جديد.. هذا مريع أليس كذلك؟ ماذا إن أخبرتك أن هذا ما أشعره اتجاه حياتي؟ هل ستتهمني بالمبالغة؟ إذاً ماذا عن إخبارك أنني الآن فعلاً لا أتنفس مثل لوحة تصوّر روحاً ميتة؟
عندما
بُتر
أهم ما فيه
قلبه.
٩:٢٦ صباحاً
اليوم الثامن والعشرون
صحوت من منامي بثقل، أحطتُ كتفيّ بساعديّ وطأطأتُ رأسي وبتُّ أحوم بهلع جوف ذهنٍ فارغ، أنا لا أشعر بالألم.. بل بالأحرى أنا لا أشعر بشيء، إذاً لماذا؟ لماذا جسدي كان مكسواً بشظايا الزجاج المتناثرة في كل جزء منه؟ لماذا؟ حتى أصغر شظية كانت مغروسة عميقاً بجسدي، لكني لم أشعر بالألم قط، لماذا؟ لماذا الزجاج مجدداً؟ هل هذه المرة الثالثة التي يصيبني بها الزجاج المحطم في أحلامي؟ اضمّ نفسي أكثر، اضغط بأصابعي على عضديّ بقوة أكبر، يتردد صدى لماذا أعلى، تتكوّن دمعة هائلة فوق عينيّ بحرارة تحرقهما، أكرر لماذا مرة أخرى.. لماذا كل ذلك يحدث معي؟ ان هذا مؤلم.. و انا لا اتألم..وهذا بحدّ ذاته حقيقة مؤلمة جداً.
شارفت
معاناته
بالإنقضاض عليه
أخيراً.
تعليقات
إرسال تعليق