مملوء بالفراغ.

"يخيّل إليّ اني ابدو طفلاً سعيداً، بملامح تَشي بعرق تلك البلاد و اللغة بذاتها تحدد من المعالم الكثير. بأبعاد كونية تملأ رأسي الصغير آنذاك كنت اتوشح بالفضول المفرط، و الخيّال المتوقدّ، و الأسئلة المتناثرة كأصداف تزيّن البحر بألوانها و أشكالها و كثرة أعدادها. لم افعل الكثير لأبدو مميّزاً لكني كنت كل يوم اذهل من حولي ثم تحوّل ذلك إلى غرابة محضة. احقاً انت مميز؟ ألستَ غريّباً عنّا فحسب؟

بدأ ذلك الجبل ينهار من أصله، من كهفه الذي توسّع بدايةً من منجم ذهب صغير إلى أرض خالية و قد قُدمت لافتة بملحوظة ( هذه الأرض قد كانت جبلاً فيما مضى تحمل أروع كنزين في العالم! الذهب و الفحم ).

في الواقع، بدأ الأمر بشكلٍ طبيعي، ثم تحول لإدراك وقع على يد أحدهم بعدسة مكبّرة، ربما بدا الأمر بائساً ثم غدا يائساً حتى وقعت خطاه في ظلام أبديّ. لقد حاول مرة ان يضمّد جرحاً أصابه في إحدى أيام إعداديّته الممتعة، رغم انها كانت ممتعة للغاية إلا ان جروحه ابت ان تتوقف، كان يتذكّر بشدة محاولته التي جعلته يتحسس مكان الجرح اولاً مغمض العينين لأن الدم كان يصيبه بالهلع، ثم ان يواجه مخاوفه اتجاه الأدوات الطبيّة الواقعة بجانبه في حقيبة الإسعافات الاوليّة، لقد نجح رغم انه امضى ساعة يحاول تضميد جرحه إلا ان تلك المرة كانت مجرد اضحوكة امام ما حدث له بعد ذلك. 

كان اللون الرمادي الذي يظهر دائماً كمعادلات في دفتره يحمل وقعاً شديداً في حياته، لقد اعتاد عليه حتى صاحبه في أشدّ أيّامه بهجةً و سعادة لأنه ظن ان ذلك سيساعده حتماً عندما ينقلب ضده في التفاوض عليه. كان يجب ان يتعامل معه لوحده لأنه كان يعتقد ببساطة ان هذه نفسه و مرآته التي من المفترض ان يفهمها لكونها لغزه المشؤوم الذي يحاول فك عقده. من كان يظن انه مخطئ  لسنين مضت. 

انه الآن يكمل عقده الثاني من العمر. و يبدو بتلك الندوب التي تملأ جسده حتى انها تفقده لونه أشبه بديك قد نتف ريشه و بدا لون لحمه الطازج و اللامع. انه يئن من الوجع و ينتظر يومه الأخير لتنتهي معاناته الأزلية، رئتاه لا تحمل هواءً و شفتاه جافتان للغاية و عيناه ضائعتان، عندما تقترب ستسمع صوت صفير آتٍ من حنجرته يودّ ان يخرج للعالم حتى يخبرهم ان هذا الكائن حيّ و ما زال يتنفس و بحاجة إلى الإنقاذ. عندما تلتفت لترى قدماه ستشمئز من التورّم البادي عليهما حتى وصلا لمنتصف ساقه بذلك اللون الذي تصطبغ به السماء حين الغروب بمزيج رائع مع أولى ساعات المساء، انها قد كافحت لتقف طويلاً و لم تأبَ ان تجلس قليلاً للراحة فآلت لما هي عليه لسوء الحظ. ستتساءل لمَ يبدو هذا الكائن تعيساً رغم ما يملكه عندما تمعن النظر في حياته، ان الامر شديد البساطة. لم يجد احدهم بجانبه عندما كان في أشدّ أيامه الموحشة وحدةً فظن ظنّاً يحمل من الهراء الكثير ان هذا طبيعي البتّه و انه بخير مادام يستطيع تدبّر شؤونه، فاته الكثير رغم حدسه المرعب في اكتشاف أخطائه كعداء في سباق المئة متر فوقع بمصيدته التي شيّدها بنفسه بكل سخرية. من الممل الحديث عنه لأنك ستكتشف انه ما زال يملك أرضاً تهطل كل عام بدلاً من مدينة قد شيّدها بمبانيها و شوارعها داخل نفسه، انه لا يحرز كذلك الكثير من التقدم رغم عبقريته. كسله الشديد جعله يميل ليجعل عقله يسير في أشدّ الطرق وعورة، و احب ان اشيد بك ان ما ظننته صحيح، انه يجيد صنع المعاناة لنفسه كما لو انه عقد وعداً بالسلاسل ان يفعل ذلك طوال فترة عيشه على هذه الأرض. انه يحمل من الصفات الغريبة ما يكفي لأن يتوّسم بالغرابة بكل معانيها المتعددة، فهو ضئيل البنية لكن ضخم العقل، شديد التركيز يملك من الشرود الكثير، متلون بألوان قوس القزح السبعة حتى تنسى الغمامة أحادية اللون فوق رأسه، مزعج كصرصار الليل و هادئ بشدّة كصخرة صماء، يبدو حاداً و قويّاً كالسيف لكن ما ان تلمسه بيداك سيذبل مثل زهرة نرجس وحيدة. سيكون ممتناً ان لم تتوه بين عوالمه اللانهائية لتصِل إليه، انه يقدّر ما تفعله لأجله، و يحاول ان يصلح جسوره المكسورة و الممتدة للضفة الأخرى لتستطيع الوصول بمدة أقصر، لكنه بحاجة لعامل الوقت و عامل عدم التشتت و عامل أخير مهم وهو صوت يحمل من الطمأنينة ما يكفي ليكمل عمله و دوره الأساسيّ الذي جاء ليفعله هو وحده."

الطفل الذي ما زال يبدو طفلاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة