خيوط رفيعة.
أخبرني، كيف تشعر؟
كيف أشعر؟ اءء.. أشعر أن هناك خيطاً رفيعاً حاداً يلفّ حول مقلتيّ ثلاث مرات، يلامس جفنيّ وأطراف رمشي، في كل مرة أحاول بها تحريك بؤبؤتيّ يخدشني ذلك الخيط الرفيع بخفة بالغة، جرح.. جرحين، الدم ينسال بحرارة خفيفة على وجنتيّ، يلزمني أن أهدأ، أن أركن إلى صمتٍ فسيح، أن لا اتنفس بنفسٍ او اتنهد بتنهيدة تجعل خدشاً جديداً يجد له مكاناً حول عينيّ.
-صمت يمضي.. يمضي بثقلٍ لدقائق بدَت كالدهر-
ايضاً.. ذلك الخيط الرفيع يدور حول ساعديّ، ساقيّ، جذعي، ويغطي جسدي بكامله، يبدو للوهلة الأولى مجرد خيطٍ صغير بلا أثرٍ يُرى، سخيف، ضئيل، خفيف الإدراك، وبعيد الإحساس.. لكنه يمسّ طبقة جلدي فيخترقها، ويتذوق دمي فيجعله ينهلّ رقراقاً، ويَصِلُ إلى لحمي فيكويه لسعاً.. لأدرك، أنني يجب أن اخرس كافة حواسي، و أسكنْ جميع أطرافي، وكل جزءٍ مني يلزمه أن ينطوي إلى جمودٍ تامّ.. لكي لا أفقد بعضاً من كُلّي.
مخاوف. نسيم عليل يلطف وجنتين مبتلتان من البكاء، و قمر منير ليكمل حفلة عشيرة النجوم. هذا ابرز ما استطيع تذكره من تلك الذكرى القديمة، كانت بإحدى ليالي الصيف المنسية، خرجت والدتي لتجلب بضع حاجيات برفقة اخي الذي يصغرني بعام، لم نكن بعادتنا نخرج ليلاً، كان الليل للسكون و الهدوء، لجمع شمل العائلة و النوم بعد عشاء لطيف، كان من غير المفهوم بالنسبة لي ان يحل الليل من دون ان تكتمل عائلتي، هذا ما كنت اظنه عندما كنت بالعاشرة من عمري. جلست على عتبة باب المنزل، مهما حدث و مهما سيحدث سأنتظر عودة والدتي و أخي، انه أخي الوحيد إذا فقدته سأفقد شقي الأيمن، كلا لا اريد! و لذا سأنتظر حتى وإن بزغ فجر صباح اليوم التالي، فلا معنى للنوم بطمأنينة من دون وجودهم، هناك فراغ في لعبة الأحجية العائلية الخاصة بي، هناك قطع مفقودة! مرت الثواني و الدقائق كمرور قافلة تجارة ببطء عبر الصحراء، تسلل الملل إليّ كما يتسلل اللص داخل المنازل ليسرق أثمن ما فيها، فبدلاً من ان أصاب بملل الإنتظار فلقد تلبس بي الخوف على حين غرة عندما لمعت فكرة موتهم داخل رأسي بكل بشاعة كحادث مواصلات. لم تكن الدموع المنسابة من عيناي تدعُ لي مجالاً لمحو...
تعليقات
إرسال تعليق