مخاوف. نسيم عليل يلطف وجنتين مبتلتان من البكاء، و قمر منير ليكمل حفلة عشيرة النجوم. هذا ابرز ما استطيع تذكره من تلك الذكرى القديمة، كانت بإحدى ليالي الصيف المنسية، خرجت والدتي لتجلب بضع حاجيات برفقة اخي الذي يصغرني بعام، لم نكن بعادتنا نخرج ليلاً، كان الليل للسكون و الهدوء، لجمع شمل العائلة و النوم بعد عشاء لطيف، كان من غير المفهوم بالنسبة لي ان يحل الليل من دون ان تكتمل عائلتي، هذا ما كنت اظنه عندما كنت بالعاشرة من عمري. جلست على عتبة باب المنزل، مهما حدث و مهما سيحدث سأنتظر عودة والدتي و أخي، انه أخي الوحيد إذا فقدته سأفقد شقي الأيمن، كلا لا اريد! و لذا سأنتظر حتى وإن بزغ فجر صباح اليوم التالي، فلا معنى للنوم بطمأنينة من دون وجودهم، هناك فراغ في لعبة الأحجية العائلية الخاصة بي، هناك قطع مفقودة! مرت الثواني و الدقائق كمرور قافلة تجارة ببطء عبر الصحراء، تسلل الملل إليّ كما يتسلل اللص داخل المنازل ليسرق أثمن ما فيها، فبدلاً من ان أصاب بملل الإنتظار فلقد تلبس بي الخوف على حين غرة عندما لمعت فكرة موتهم داخل رأسي بكل بشاعة كحادث مواصلات. لم تكن الدموع المنسابة من عيناي تدعُ لي مجالاً لمحو...
المشاركات
عرض المشاركات من يناير, 2025
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
أقصوصة سماء. كانت تلك الطائرة التي تحلق في السماء صغيرة جداً حتى اكاد لا أراها، لكن ما زلت ألوح بيداي مودعاً إياها صوت الطائرة مزعج أحياناً، فهي توقظك من نومك، تسبب بعض الضوضاء، تشتت الدرس حين شرحه في أوقات الدراسة، لا تجعلك تسمع من يحادثك أو يناديك لكن لها سحرها الخاص. كنت اتوق دائماً لركوبها، لم اهتم بكيفية و ماهية هذا الشيء، فقط تلمع عيناي بمجرد رؤيتها في تلك السماء السوداء المليئة بالنجوم اللامعة المضيئة و ذلك القمر الباهر الذي يقف شامخاً لا يتحرك ذات مرة صادف لي أن اركبها أو أن أجرب أول ركوب حقيقي لها، كنت متأهباً خائفاً لكن مع ذلك أشتعل إثارة. رؤية الركاب الغير مهتمين اطفأت جزءاً من إثارتي، شعرتُ بالملل و الضجر فلقد مرت نصف ساعة و لم نتحرك و المضيفين و المضيفات فقط يتحركون هنا و هناك. تحدث بصوت يملأه بعض الفخامة و الخشونة : مرحباً بكم في طيران السعودية معكم الكابتن خالد سنستعد الآن للمغادرة و نرجو منكم ربط أحزمتكم و الإستمتاع بالرحلة ! اشتعلتُ إثارة مرة أخرى، بل أكثر من السابق و ذلك يظهر في عيناي التي تلمعان من شدة فرحهما، جلست جيداً و ربطت حزامي...
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رائحتهما. رائحة جسدهما، رائحة عطر كلٍ منهما انها رائحتهما، انها رائحة معاناتي. لطالما أحببتُ رائحة عطريّهما، انها رائحة تجلب لي الحنين و الدفء و الذكريات البعيدة. لكن في نقطة ما، ادركت، بإدراكٍ شحيح الكلم ثقيل الأثر انها باتت رائحة معاناتي، معاناتي الطويلة التي أتساءل متى ستنتهي. رائحة عطرهما، تلك الرائحة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببقائي معهما ملازماً كجنديّ يحرس حوائجهما و متطلباتهما و كل ما يطرأ برأسهما، إلا أنني، بعد مرور المتوسطة و الثانوية و المرحلة الجامعية بتُّ أعي أمراً آخراً بعيداً كل البعد بنيل محبتهما او جزءٍ بصيصٍ من كلماتهما الحلوة.. و العذبة على مسامعي. كُنت أحصد رمادي منهما، لا ألومهما، ولا أقول اني اكرههما، ولا أقول كذلك اني لم اعد احبهما، انني مستعدٌّ للتضحية بي لأجلهما، و فعل الكثير لإرضاءهما. لكنني الآن، علمتُ اني لن أنال شيئاً منهما، و اني مهما كررتُ تلك الحقيقة عن ظهر قلب إلا ان حدوث ذلك، كأدلة، في الحياة اليومية.. يسلب مني أقصر طريق لطمأنتي، و يجعلني في اضطراب دائم، بين قلبي المحب بعمق و عقلي الشاهد على تجاهلههم التامّ لكياني. لقد توقفت، و تأملت رمادي و بدأ...
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
قطعة حلوى. شعر و كأن السماء و الأرض قد اطبقتا عليه، الهواء حوله يزن طناً من ثقله، الجو صحو و السماء صافية لكن بالكاد يمكنه رؤية ما حوله بعد سماعه لذلك الخبر الصادم. تمالك نفسه، حاول التنفس ببطء، محاولاته للهدوء باءت بالفشل، كان قد استيقظ متأخراً على غير عادته بعد ليلة مؤرقة اخذت منه الكثير، جسده يشكي منه و الآن الحياة تصرخ في وجهه. انعكاس الغروب كان أخّاذاً على ذلك المبنى الزجاجي لكنه ما إن خطى بخطواته للداخل تسللت رائحة المطهرات لأنفه بينما جاوره الغثيان أثناء مشيه، بخطوات ثابتة وصل لوجهته لكن ما إن رآه بكى، بكى كثيراً حتى علِم انه اخطأ الإستماع للخبر، و ان الأمر كان مجرد قطعة حلوى قد علقت بحنجرته فحسب.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
دعوة الشايّ. عندما استيقظت ذلك اليوم شعرت و كأن ثقل الأيام قد تراكم فوقي، عبء من شدّته كان بالكاد يجعلني انهض من فراشي، بصداع مُدوي عادت ذكريات البارحة كشريط متسلسل لن ينتهي حتى و لو أردت انهاءه. بالأمس، وصلتني دعوة لإحتساء الشاي في ظهرية مشرقة كالمعتاد برفقة الاكتئاب، وصلت مبكراً على أمل ان اجده بانتظاري لكن لا جدوى، هو يحب التأخر مهما فعلت ارتشفت كوبان على مهلٍ و الثالث توقفت بمنتصفه لأن صاحب الدعوة اتى، كان ابيضاً نقياً هذه المرة على غير شحوبته الرمادية التي كانت تلتصق به على الدوام، تحدثنا قليلاً و رحل سريعاً، رغم ذلك فقد لطّخ المكان بالابيض و كأنه يُعبّر عن وجوده في هذه البقعة في تلك الطاولة التي تسع لأثنين فقط بقيت لوحدي حتى صُبغت السماء بلون أحمر مشتعل، كانت حرارة الجو تتسلل ببطء بداخلي فعلمت انه حان وقت العودة الى المنزل، نهضت و نفضت ملابسي التي كانت مُلطخة بالأبيض النقي الذي كنت اخشاه، فأدركت حينها اني اصبت بالحمّى.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
عقدة لسان. كان اليوم حافِلاً مُبهجاً كيوم عيد، انتهى ذلك اليوم بابتساماتٍ تخطِفُ الأنفاس و تحبِس عنك كل الهواء، ثم تملأ قلبك بدهشة مفرطة لم يَزل تأثيرها باقٍ رغم انك مستلقٍ في سريرك تستعد للنوم نهض من سريره بشكلٍ مفاجئ ثم رَكض مثل ظبية تفِر من لبؤة، لقد نسيَ حتماً أمراً مهماً و لذا هو يفعله قبل فوات الأوان، لكن فوات الأوان لم يكن في مصلحة ذلك الأمر، فهو في النهاية كحجٍ يستقبل زواره كل عام بلا بأس. وصل و أسارير وجهه تعلوه الفرحة مُستعداً ليقول كل ما يقال ولو كانت مجرد فكرة عابرة في ذهنه، كان سعيداً، ردد ذلك في نفسه كثيراً، حينما وصل و قبل ان يطرق الباب وجد الأضواء مقفلة "لعلهم نائمون، لعله نائم" قال في نفسه ثم رحل، لم يفكر مطلقاً انها معطلة و انهم ما زالوا مستيقظين لأي طرقة باب قبيل الظهيرة و في آخر الصباح تثاقلت عيناه للإشراق مثل الشمس، تذكر انه يجب ان يسرع فغسل اسنانه ثم تناول إفطاره على غير العادة، لم يستقبله الغثيان ولا الصداع الرفيقان اللذان أقسمان على البقاء معه، شعر ان اليوم يومُ حظه فغيّر طريقه لطريق أطول هذه المرة، انه في حالة جيّدة كلباسٍ قد تلائم مع جسده الضئيل للغا...
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
جاري. حينما تتسابق خطوات المصلين لمنازلهم و الصبية لأسرتهم أبقى جالساً على عتبة المسجد انتظره، برفقة شروق الشمس يظهر بعصاه التي يتكئ عليها، يمسك بعضدي و نمشي عائدين من حيث اتينا، يتمتم بعدة اذكار و ينهيها قائلاً : يا فتى، اقرأت اذكار الصباح؟ اومئ إليه مجاوباً فيبتسم إليّ بابتسامته الغير معهودة، فقد كان وسيماً فيما مضى. كان جاري حاد الطباع، ينهر الفتية في المسجد و يبقى عابساً طوال اليوم، كنت اتعجب انه يلقي السلام على من عرف و من لم يعرف بنبرة ودّية باستغراب قد اصاب كل من عرفوه، رغم ذلك فقد عرفت انه طيب القلب بعد حادثة حدثت لي قلبت حياتي رأساً على عقب. قبل سبع سنوات مضت في عصرية مغرية للعب الدراجة في شارع الحيّ، اخرجت دراجتي بعد ان شربت علبة كاملة من مشروب الطاقة الحيويّ، استعد للإنطلاق من دون تفقد الشارع، بلحظة كانت أسرع من الضوء وجدت نفسي بجانب عتبة المسجد و رأسي ينزف و بجانبي جاري الراشد ذو البنية القوية ممسكاً بي و قدمه اليمنى قد جرحت بجرح بالغ، بينما دراجتي قد محيت عن بكرة ابيها و سيارة في منتصف الطريق قد توقفت. بعد تلك الحادثة بدأ جاري بالإتكاء على عصاه التي أصبحت رفيقة دربه، منذ م...
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
ليس لأجلك. ذات مساء حدقتُ جيداً بساعة الحائط مراقباً تحرك عقاربها و ما تصدره من صوت ثابت، كان كل شيء ساكناً بلا حركة و كأنما الوقت توقف لوهلة، بلون رمادي شاحب أرى ما حولي بابتسامةٍ باهتة، عقلي يفكر : ماذا حدث ؟ لماذا حدث ؟ من دون توقف. في إحدى أيام الصيف الحارة، و مع صفو السماء الشاسعة، كنت أرى طيور النورس من شرفة منزلي بلا هدف ممسكاً بكتاب ذو قطع متوسط اقرأه بين فينة و أخرى و كنت أفكر بحديثي بالأمس مع والدي حيال انتقالنا الى العاصمة من أجل ترقيته، كنت بائساً، لم اعلم لمَ كنت اشعر بهذا، والدتي هنا فلماذا نرحل و نتركها؟ ظللت اتساءل حول هذا طوال الليل و لم اغفو ولو لدقيقة واحدة بسبب هذا الأمر. هل يمكنني ان اصبح نسمة هواء عابرة؟ او مجرد موجة بحرٍ هائجة؟ هل يمكنني ان اكون كشمس الصباح المنعشة التي ترحل وقت الغروب؟ او ربما كـ الهلال آخر الشهر يودعنا بإنطفاءه الخلاب؟ هل يمكنني ان اصبح كل شيء؟ او ربما مجرد لا شيء فقط؟ تذكرت ما حدث قبل بضعة سنوات، في السادس عشر من سبتمبر الموافق الثاني من ربيع الثاني، في وقت الظهيرة كنت اتناول بعض الفاكهة مع والديّ، حينها وجهت لي والدتي س...